الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
7
شرح ديوان ابن الفارض
وأظنّه لم يدر ذلّ صبابتي إذ ظلّ ملتهيا بعزّ جماله [ الاعراب ] كما أمر بسؤال غزال الكناس رجع وقال « وأظنه لم يدر ذل صبابتي » كأنه يقول يغلب على ظني أن « عز جماله » يلهيه عن العشاق وما بهم من الداء الذي ليس له أفواق . وجملة « لم يدر ذل صبابتي » في موضع نصب على أنها مفعول ثان لأظن وأضاف الذل إلى الصبابة لأنه مكتسب منها وناشىء عنها . وإذ في قوله « إذ ظل » تعليلية ويجوز أن تكون ظرفية ويكون التعليل حينئذ مفهوما من قوة الكلام كما إذا قلت : ضربت العبد إذ أساء ، أي وقت إساءته لأجلها فظل بمعنى استمرّ مطلقا لا بقيد النهار فقط بقرينة المقام إذ المراد لأنه استمر ملتهيا غافلا عن عشاقه بعزة الجمال وسورة الدلال وفي البيت الطباق بين الذل والعز . اه . تفديه مهجتي الّتي تلفت ولا منّ عليه لأنّها من ماله [ الاعراب ] « تفديه » من فداه يفديه بفتح حرف المضارعة والجملة دعائية . قوله « التي تلفت » صفة مهجتي وإنما ذكر تلفها لأنه بسببه ومنه . فكأنه يقول أنت أتلفت مهجتي ومع ذلك فتكون فداء لك . وقد لاحظ الأدب في قوله تفديه مهجتي التي تلفت ولم يقل أتلفها أدبا . قوله « ولا من عليه » أي على المفدي لأن المهجة من ماله فكيف يمنّ عليه بماله . والأصل في هذا المعنى قول القائل : كالبحر يمطره السحاب وما له * فضل عليه لأنه من ماله ويروي البيت فإنها من ماله وهي صحيحة أيضا لأن الفاء وإن في صدر الجملة نص في التعليل لما قبلها من الحكم القابل للتعليل . أترى درى أنّي أحنّ لهجره إذ كنت مشتاقا له كوصاله [ الاعراب والمعنى ] الهمزة في « أترى » استفهامية . و « ترى » بضم التاء بمعنى تظن . و « درى » من الدراية وهي العلم . و « أني » أن مفتوحة والياء اسمها . و « أحن » بكسر الحاء بمعنى اشتاق . و « لهجره » بفتح الهاء وسكون الجيم بمعنى الترك متعلق به . « إذ كنت مشتاقا له كوصاله » : « إذ » تعليلية متعلقة بقوله أحن وكنت مشتاقا كان واسمها وخبرها وله متعلق بمشتاق . وقوله « كوصاله » الكاف اسم وقع صفة لمصدر مأخوذ من مشتاقا . أي إذ كنت مشتاقا له شوقا ، مثل شوقي إلى وصاله والاستفهام هنا للاستبعاد لأن الشوق إلى الهجر كالشوق إلى الوصال أمر في غاية الاستبعاد لا يكاد يصدّقه الفؤاد ، لأن من شأن القلوب أن تميل إلى الوصل المطلوب ، وأن تنفر عن الهجر الذي ليس بمطلوب ، فأما الميل إليهما بالسوية فهو ضد الطبيعة البشرية وهل يستوي الحياة